تعاليم حُوريَّة

تعاليم حُوريَّة * 
 (1) 

*

فَكَّرتُ يَوماً بالرحيل , فحطّ حَسُّونٌ على يدها ونام .

وكان يكفي أَن أُداعِبَ غُصْنَ داليَةٍ على عَجَلٍ … لتُدْركَ أَنَّ كأس نبيذيَ امتلأتْ . 

ويكفي أَن أنامَ مُبَكَّراً لَتَرى مناميَ واضحاً , فتطيلُ لَيْلَتَها لتحرسَهُ …

 ويكفي أَن تجيء رسالةً منّي لتعرِف أَنْ عنواني تغّير , فوق قارِعَةِ السجون ,

 وأَنْ أَيَّامي تُحوِّمُ حَوْلَها … وحيالها 

 

**

أُمِّي تَعُدُّ أَصابعي العشرينَ عن بُعْد .

تُمَشِّطُني بخُصْلَّة شعرها الذَهَبيّ 

تبحثُ في ثيابي الداخلّيةِ عن نساءٍ أَجنبيَّاتٍ وَتَرْفُو جَوْريي المقطوعَ .

لم أَكَبْر على يَدِها كما شئنا :

 أَنا وَهي , افترقنا عند مُنحَدرِ الرَّخام … ولوَّحت سُحُبً لنا , ولماعزِ يَرِثُ المَكَانَ .

وأَنْشَأَ المنفى لنا لغتين : 

دارجةُ … ليفهمَهَا 

الحمامُ ويحفظَ الذكرى , وفُصْحى … 

كي أُفسِّرَ للظلال ظِلالَهَا ! 

 

(2)

***

ما زلتُ حيَّا في خِضَمَّكِ . 

لم تَقُول الأُمُّ للوَلَدِ المريضِ مَرِضْتُ من قَمَرِ النحاس على خيامِ البْدوِ .

هل تتذكرين طريق هجرتنا إلى لبنانَ , حَيْثُ نسيتني ونسيتِ كيسَ الخُبْزِ

 [ كانَ الخبزُ قمحيَّاً ] ولم أَصرخْ لئلاّ أُوقظَ الحُرَّاسَ حَطَّتْني على كَتِفْيكِ رائحةُ الندى .

يا ظَبْيَةُ فَقَدَتْ هُناكَ كنَاسَها وغزالها …

عَجَنْت بالحَبَقِ الظهيرةَ كُلَّها .

وَخَبَزْتِ للسُّمَّاقِ عُرْفَ الديك .

أَعرِفُ ما يُخَرَّبُ قلبَك المَثّقُوبَ بالطاووس , مُنْذُ طُرِدْتِ ثانيةً من الفردوس .

عالُنا تَغَيَّر كُّلَّهُ فتغيرتْ أَصواتُنا حتَى التحيَّةُ بَيننا وَقَعَتْ كزرِّ الثَوْبِ فوق قولي أَيَّ شيء لي لتَمنَحني الحياةُ دَلالَها . 

 

****

هي أُختُ هاجَرَ أُختُها من أُمِّها .

تبكي مع النايات مَوْتى لم يموتوا .

لا مقابر حول خيمتها لتعرف كيف تَنْفَتِحَ السماءُ ولا ترى الصحراءَ خلف أَصابعي لترى حديقَتَها على وَجْه السراب , فيركُض الزَّمَنُ القديمُ بها إلى عَبَثٍ ضروريِّ :

 أَبوها طار مثل الشَرْكَسيِّ على حصان العُرسْ 

 

(3)

أَمَّا أُمها فلقد أَعَدَّتْ , دون أن تبكي لِزَوْجَة 

زَوْجِها حناءَها , وتفحَّصَتْ خلخالها …

 

***** 

لا نلتقي إلاَّ وداعاً عند مُفْتَرَقِ الحديث .

تقول لي مثلاً :

 تزوجَّ أَيَّةَ امرأة مِنَ الغُرباء , أَجملُ من بنات الحيِّ , لكنْ لا تُصَدِّقْ أَيَّةَ امرأة سواي .

ولا تُصَدِّقْ ذكرياتِكَ دائماً .

لا تَحْتَرِقْ لتضيء أُمَّكَ , تلك مِهْنَتُها الجميلةُ.

لا تحنُّ إلى مواعيد الندى . 

كُنْ واقعيَّاً كالسماء .

ولا تحنّ إلى عباءة جدِّكَ السوداء , أَو رَشَوَاتِ جدّتك الكثيرةِ وانطلِقْ كالمُهْرِ في الدنيا .

وكُنْ مَنْ أَنت حيثَ تكون .

واحَملْ عبء قلبِكَ وَحْدَهُ …وارجع إذا اتسَعَتْ بلادُكَ للبلاد وغيَّرتْ أَحوالهَا … 
(من ديوان “لماذا تركت الحصان وحيدا” 1995)

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s